Saturday, December 1, 2007





الغلاف تصميم : أمل إسماعيل


Thursday, November 1, 2007

دار سوسن للنشر و التوزيع




جـِـــدار







يزيد الديراوي


Monday, October 1, 2007

جِـدَار



[ ... ]


جدارٌ يشيرُ إليّ بعقربين. لا يحملُ إلا صورتكِ الأخيرةَ، تدنو من تفاصيلٍ غائبةٍ.

يشيرُ إليّ. أبتعدُ أكثرَ مما يظنّ. يظنّ أنه يحرسني و يحرسُ ما أكتبه لكِ،

لا يراني حين أبكي خِلسةً : " مللتُ العتمة "،

و لا حينَ أختلسُ النظرَ عبر شقوقٍ أوهنَتِ الأوراقَ الملصقة على جسده.


جدار عنيدٌ لا يعترفُ باختلاف الطقس كأنْ يرتعشَ في الشتاء مثلا،

و لا يعترفُ بحرارةِ أصابعي و أنا أكتبُ مثل هذه الكلماتِ.


سمعتهُ مرةً يهمسُ، انتفضتُ، حسبتُكِ تحدثينه عني و عنكِ و عن داخلٍ يتورّمُ، و فتاتِ حلمٍ تساقطَ و حطّ عليه حمامٌ لم يعتدْنا، لأُرسلَ لكِ منديلا يحملُ رائحةَ الدفء و البَرْد معًا. و كعادته صَمَتَ و لم يهمسْ. كان هاجسًا عابرًا يُلقي التحيةَ ربّما ليسلبَ ما تبقى لديّ من صمتٍ. هي عادةُ الجدران أن تَهَبَ الصمتَ ثم تستردّهُ.


في المرة التي انشق الجدارُ فيها كانت الأرض تحته مغطاة بالحصى، و كنتُ حافي القدمين أتساءل متى يصبح الحصى ظلا لا يدمي المشيَ. (المشي هو الطريق الوحيد الذي لا يعاكس القلب، يمتدّ لينام على كتفه و يشكو القلبَ للقلبِ).

و في المرة الوحيدة التي تسللتُ خارج العتمةِ، الضوءُ (خارجي و خارج ضوءكِ) حادٌ، جارحٌ، صلبٌ كذاكرة زاجلةٍ يحفظُ أصدقاءه جيدا، مزّق كل ما حملتُ من حلمٍ، ليدورَ فوقيَ منتشيا يلعقُ ما عَلق على مخلبيه من عتمةٍ.


" العتمةُ بيتي الجبري"

هكذا كنتُ أرددُ حين أغلقتُ الجدار و بيدي أنا في هذه المرةَ. سحبتُ كرسيا قديما يذكِّرني بطقوس الكتابةِ القديمةِ أيضا لما عليه من غبارٍ، جلستُ بداخلي أتمتمُ ما حفظته عني و عنكِ و عن ذلك الجدار:

"العتمة بيتي الجبري، و الضوءُ قلبُكِ"

نعم. الضوءُ قلبُكِ، يميلُ على كتفي، يحطّ كمشهدٍ ختاميٍ لملحمةٍ لم يلتفتْ إليها الشعراءُ بعد، و لا تلك الأعين الفارغة التي تنصبُ الكمائن في أنفاسنا.

.



[ ... ]

رائحةُ الفجرِ على جسدكَ حمامةٌ تنقرُ شباكَ ذاكرتي

( الفجر تميمةُ حبٍ يلفُّ الأفقَ، يلتفّ كخاتمٍ فضيٍ يحرسه نهرٌ أزليّ الفرحِ، يرتّب طقوسا تليقُ باكتمالِ القدرْ )

أكملتَ، كإلهٍ، كلّ شيءٍ لديّ ناقصا

يداكَ المعقوفتان كالقَدَرِ تذكِّرانني بأنوثةٍ لم أعدْ أقوى على حملها.

انكسارٌ خفيفٌ منكِ يدسُّ روحكِ منديلا ناعما على حافّة القلبِ؛ القلبُ يَعتِقُ الروحَ حين ينامُ؛ لتسبحَ حرةً في معزوفةِ الأحلامِ، العزفُ يُرى، في الحلمِ، يا سيدتي، و يُسمعُ حين يصحو القلبُ على دقاتِ ضوئكِ التي تُداعبُ صدريَ العاريَ؛ لتقطفَ بعض التعبِ، التعبُ يُنسينا أن نتعبَ حين يكونُ ودودا كالإلهِ الذي لا يَنسى و لا يُنسى.



[ ... ]

العفو، يا سيدتي،

لم يكنِ البالُ باليا من قبل، كان مشتدّا، قاسيا، مليئا بالفراغِ و الصدى.

(الصدى ما يسميه العاشقُ شوقا).

وحدي الآن أنتظرُ الفجرَ يُشرقُ من تلك الرغبة الـتي تختبئُ في حزنِ عينيكِ.

عيناكِ طفلتان تداعبان الصمتَ، تحوِّلانه قصيدةَ نثرٍ صوفيةً لا تأويل للحزنِ فيها سوى الاستغراقِ في الحزنِ، (على سبيل الفرحِ)، في كل مرَّةٍ يُطلُ الإلهُ من قلبٍ كان يراكِ و لم يتقربْ.



[ ... ]

هكذا

هيّأتُ لكِ الجسدَ فضاءَ حبٍ رطِبا

و الروحَ قمرا تشعلينَهُ، في خلاياهْ،

*

من أحلامِ العتقِ

تُصيغين

كؤوسَ الفرحِ.

*

رأيتُكِ، ذاتَ قُرْبٍ،

تدقِّينَ الفضاءَ بعرباتٍ تجرّها خيولُ النارِ

(ناركِ التي تطفئُ التعبْ).



[ ... ]

نعمْ

أحبُكَ، للمرةِ الألفْ

و أخافْ.



[ ... ]

قادرةٌ هذه الموسيقى المحملةُ بالعذابِ أن تجعلَ العذابَ عذبا. العذابُ عذبٌ يتسللُ موسيقيا داخلنا يتخذّ أجسادنا نهاوندا، يتمايلُ، يركضُ في شوارعَ ضيقةٍ لا تحملُ سوانا أو هكذا رأيناها و نحن نفتّشُ عن شارعٍ أوسعَ.

قادرةٌ هذه الموسيقى على قلب كلِّ شيء حتى على قلب الاثنين واحدا، و الواحدَ داخلا تسبحُ فيه الموسيقى هادئةً دون أصابعَ تخدشُ بَحّةَ النايْ.

.


Saturday, September 1, 2007


[ ... ]



[ ... ]

للمرة المائة

تقفين على فوهة القلب

تغمضين عينيك

تقذفين بالكلام

تنسين أن المشي على حبل واحدة

لا يحمل إلا طريقةً واحدةً

للخروج.

.

صوتُكِ الزجاجيُّ يسحبُني، كتلك الزرقةِ، نحو الغرق، الغرق في هذه المرة يعني أن أراكِ و لا أحسَّكِ، موجودة و غير موجودة، لكِ اسمٌ و لي اسم و ليس لنا أسماء.. كلها شوائبٌ تذوبُ و يبقى الغرقُ.

أتفقَّدُني هذا الصباح،

عشر ُأصابع لم يكسرْها البردُ بعدُ، و لا الكتابةُ عمّا يسميه الأصدقاءُ كُفرًا، و ما اسميه انكسارا. قدمان حافيتان تفتقدان القدرةَ على جذب الجهاتِ عكسَ اتجاه الريحِ ذلك ما يمكِّنُ الشارعُ من نصبِ مصيدةٍ قبل وصولهم بخطوتين. قميصٌ أبيضُ يذكِّرُني بعينين ابيضتا ذات فقدٍ ربما سأفقد جسدي بعدَ قليلٍ و أغرقُ.

حاولتُ الخربشةَ على المرآةِ؛ لأغيّرَ صورتَكِ قليلا، تبدين أبهى دون حريرٍ يرتعشُ كالطفولةِ كلّما اقتربتُ.

هو الحرير إذن يجعلُ منا اثنين، يَحُولُ بيننا و بين الغرقِ، يقفُ صلبا لئيمًا، يمارسُ عادةَ القادةِ في الحروبِ في الجلوسِ تحت خيمةٍ و نسب النصر لهم، و لكن هذه المرة ستمزِّقه خربشتي الصغيرة؛ ليصبحَ النصر من حقّ أجسادنا.



[ ... ]

أجسادُنا التي لا تنامُ

لا تعرفُ الصحوَ.

*

أجسادنا ندبةٌ بحجمِ الفضاءِ

تدخلُ القصيدةَ.



[ ... ]


فرحٌ يسعى..!

ليْ أنْ أسعى إذنْ؛ لتنالَ كلماتي معانٍ جديدةً تُخرجُها عن السياقِ المحبوسِ في (صَمَتُّ).

الصمتُ يُسلمُ مفاتيحه لثرثرةٍ عابرةٍ عن حبيبين يجيدان قصقصةَ الواقع كما يليقُ.

قد يظنّ البعضُ أنها أسطورةً، رغمَ ما تحتويه الأساطيرُ من فراغٍ لزجٍ.

الأساطيرُ - أيها البعضُ - لا واقعَ في منازلها،

الأساطيرُ يسكنها الخيالُ الذي يجيدُ الهروبَ من كمائنِ (كُنْ).

هكذا،

في لحظةِ خيالٍ سخيةٍ قرَّرنا أن نصبحَ إلفين بلا عرسٍ يغرقنا في الفراغ.



Wednesday, August 1, 2007


[ ... ]



المدينةُ تغرسُ أصابعَها في الفجرِ.

تتسللُ مع أنفاسنا شجرا غضّا، أنفاسُنا خضراءُ تفتِّشُ بين الغائبين عن حضورٍ يشبهنا.

و لا أحدَ، لا أحدَ يشبهُ أنا الآخر رغم تشابك الشجر." رؤية"

أقول: هكذا

تكون آدابُ الانكسارِ في حضرةِ الشجرِ، شجرٌ لئيمٌ، شجرٌ عابرٌ، شجرٌ فرِحٌ بالانتصارِ على عقدةِ العمرِ." دخول"

تقولينَ: المدينةُ زجاجةُ عطرٍ تحفظُ زوايا الجسدِ قُبلةً قُبلةً، و تعرفُ أين تنسكبُ تماما.

ثمّ تقفزُ،

تفرُّ

غزالةً من القلبِ كلّما اخضرّ. " دخولٌ أيضا"



[ ... ]

لم يكنِ الوقتُ مشدودا

كما يليقُ بمرورِنا.



[ ... ]

شفتاكِ فقطْ

تكفيان للاعتراض على

أنْ العالمَ مظلمْ.



[ ... ]

يداي ثرثارتانْ

تحاولان فضح السريرةِ

تقفزانِ من وردةٍ إلى نبعٍ

و من نبعٍ إلى جمرةٍ

تُطفئ الظمأ.

الظّمأُ حُليةُ الولدِ

الظّمأُ خَطيئةُ الولدِ

الظّمأًُ خطى الحبيبةِ في عينيْ.



[ ... ]

الدفْءُ تمرتانْ

تقلِّدان البردَ،

ترتعشانْ.



[ … ]

قادرةٌ هذه المسافةُ

على كسر أصابعنا

نصب عرسٍ على هيئة القصيدةِ

لفح وجوهنا بالتعبْ

لكنها لا تقوى على الكذبْ.



[ ... ]

كلّ شيء يرتعشُ وِحْدةً،

وحده صوتُ المؤذنِ

يعانقُ أذني

يفرضُ نفسه عاشقا: " حيّ على العشقِ".

يا الله. ليس هكذا.

الوحدةُ احتياجُ كلِّ شيء

سوى النداءْ.



[ ... ]

الحكاياتُ وحدها لا تكفي لأن تحرسَ المشي، تسيرُ معَكِ جنبا إلى جنبٍ، تسيلُ، من عيون العابرين، تحتَ قدميكِ، تحسبُ كم مرة تُهتِ، كمْ مرة دلّكِ صوتٌ يحفظُ المشي تماما. تحاول الحكاياتُ أن تتحسس وجه ذلك الصوتِ لكنها تَعمى في كل مرةٍ تَرَيْنَهُ. تحاولُ أن تدخل خلسةً بين ضعفكِ و بين ثوبكِ الواسعِ لكنها تسيلُ تحتَ قدميكِ مرةً أخرى. تُعرقلها رائحةُ الهالِ، رائحةُ الهال ذكوريةٌ تثيرُ الشكّ. تتصاعدُ منكِ باتجاه المطرِ الدائمِ في حكايتكِ، مطرٌ صاعدٌ من شفتيكِ يُغيثُ جفاف السماءِ، يُغيظُ الحكاياتِ، تُعلِّقُ الحكاياتُ هاجِسًا بينَ عينيكِ: "هل لهذا الصوتِ أن يغيبَ؟الحكاياتُ تَخافُ البللَ و لا تفهمُ لغةَ السماءْ.



[ ... ]

صباحُكِ، طوبى له، يمرّ خفيفا، يخافُ أن يهزَّ ضوءكِ، أو يخدشَ وردةً تركتِها بالأمسِ تشربُ الماءَ المُحلّى. صباحُك هذا، يُجيدُ ترتيبَ كلّ شيءٍ كما يليقُ. يقفزّ دون ضوضاء إلى الشرفةِ، يُقبّلُ العتمةَ ثمّ يودِّعُها، يملأُ الأرضَ رسائلَ فارغةً، لم يزرْها اسمُ حبيبِكِ بعدُ. صباحُكِ ماهرٌ في إعداد الصباح لكِ، يبلُّ ريقَه بعطر وردتكِ تلكَ ثمَّ ينفثُه على وجهكِ، تتثاءبُ ابتسامتُكِ. يسلِّمُ رايته لصباحٍ جديدٍ خرجَ لتوِّهِ من عينيكِ، صباحٌ يَصلُحُ أن يكونَ صديقا مخلِصًا، يحفظُ حزنكِ قصيدةً قصيدةً، طوبى لهذا الصباح، خذيه معَكِ بدلا عن مفاتيحِك، خذيهِ بدلا من حقيبتكِ الفارغة يحملُ رسائلَك إلى عينين غائبتين لا تزال تحرسُ نومكِ على ذلك الكرسي، خذيهِ و اعتنِ بهِ حدّ الطفولةِ؛ كي يصبحَ ابنا و صديقا. سيكبرُ حتما و يشيخُ معَكِ و يحفظُ كلّ أسراركِ كما يفعلُ الوقتُ تماما، سيُمسكُ بيدكِ جيدا و يقطعُ الشارعَ معَكِ، يحملُ حقائبكِ من مدينةٍ إلى مدينةٍ و من بلدٍ إلى أخرى، يبحُثُ عن فرحِكِ النائمِ على سريركِ معَكِ، سيجدُه حتما و يحضنه معَكِ أيضا، و يبكي معَكِ فرحا، و يبكي لوحده حزنا عليكِ. طوبى لهذا الصباح، طوبى له ابنا و صديقا و أبًا.



[ ... ]

لا زال دخانُكِ

كفّا بيضاءَ ترتّبُ شالا.

*

شكلتُ دخانَكِ فرسا

يعرجُ بي؛

لأرى ما ينقصُني.

شكّلتُه بحرا؛

كي ألعقَ مع نورِ الكلماتِ

الملحَ العالقَ في الحلقِ.

أقيسُ الملحَ برعشةِ صوتكِ.

صوتكِ ينسابُ على الجدرانِ،

يشدّ الغيمَ إلى عينيّ

الغيمُ صدى صوتكِ

و الغيمُ نبيّ يسجدُ في عينيّ

إذا مرتْ شفتاكِ على اسمي.

*


[ ... ]

أعرفُ بكاءكِ جيدا.

أبدا، لم يكنْ

خوفا


*



بكاؤك سلمٌ شفافٌ يصعدُ باتجاه السماء، تصعدّ عليه روحنا طيّبةً، ربّما لتجلسَ على غصنٍ غضٍّ، تهزّ الهواءَ، و تتمتمُ لحنا.

بكاؤكِ إذنْ نايٌ، يعيدُ تشكيلَ الفضاء كما يليقُ بحزنِ عاشقٍ.

بكاؤكِ سلّمٌ شفافٌ يصلحُ للهبوطِ أيضا

الهبوطُ هو مرورُ حلمٍ فوضويٍ على طرفِ عينيكِ.

أعرفُ بكاءكِ جيدا،

و أعرفُ كيفَ يصبحُ النورَ الوحيدَ حين يظلمُ العالمُ. " انكسار".



Sunday, July 1, 2007

زهرةُ اللُّوتس


*

سأقولُ أني كنت أسبحُ في عتمةٍ لا قرار لها. ٍسأقول، أيضا، أن للغرق شروطا كثيرة أقلّها الخوف أو الفرح. الفرحُ ذلك الصديق الذي يتركُ مساحةً واسعةً للخوفِ، أحبّه و لا أرغبُ في الوصولِ إليه، أحفظُ دربه جيدا تطولُ كلما اقتربتُ، دربٌ سهلةٌ حد الحزن. أعرفُ أن لا أحد يرغب في مرافقتي، لأنّي لا أتقنُ السباحة في اتجاهٍ واحدٍ، و لم أتعلّمْها كما يفعلُ الأشقياءُ، بل كانت زهرةُ لوتسٍ، تلك التي شدّتْ على قلبي، زهرةُ اللوتسِ لا تنجذبُ إلى الفرحِ و لا تَعلقُ عليها العتمةُ، زهرةُ اللوتسِ، تحملُ ضوءها و يحملُها الضوءُ، لا تحتاجُ إلى ماءٍ بالقدْر الذي تطفو عليه شفافةً، محايدةً لا خوفَ و لا فرحَ، لا اتجاهَ يُمسكُ ضوءها و لا ماءَ يشدُّ على قلبها. سِرْتُ خفيفا وراءَها أصعدُ معها باتجاهِ المطرِ تَرشِفُ منه و تَلعقُ الجفافَ عن حوافِ قطراتهِ، كأنها تُرطِّبُ الفضاءَ، و كأنّها تدفعُ الفرحَ بعيدا، تعرفُ، مثلي، جيدا ما سيصيبها: " كلما فرِحْتُ، كلّما خفْتُ".



[ 1 ]


لماذا يا زهرةُ اللوتسْ؟

الفرحُ ليسَ بيدي، الفرحُ ليسَ حُرّا، ترسله السماءُ و تستردُّه كالحياةِ، يَرِدُ القلبَ ضيفًا خفيفًا، يَغضبُ فجأةً ويديرُ ظهره. قد يشيبُ فيُغلقُ القلبَ عليهِ اعتكافا. الفرحُ طقْسُ القلبِ إذنْ: يختلفُ، ينقلبُ، ينتقلُ من مقامٍ إلى مقامٍ، و تسحبه الروحُ من قلبٍ إلى قلبٍ. الفرحُ ليسَ مقاما، مقامُه الطريقُ إليه.

أنا زهرةُ اللوتس. نعمْ تقربتُ كثيرا من أشياءٍِ تشبهني، ربما تقرّبَتْ بدورها أكثرَ حتى صارتْ هي أنا و لكنّي أعرفُ آدابَ الوقوفِ جيدا، أسبحُ مع العَتْمةِ و أقفزُ معها، أتقربُ و تقتربُ، أهبطُ على سطحها، أحدِّثُها عنِّي و عنْها، و حينَ تشتدُّ تقفُ، حينَ تشتدُّ تمامًا أُضيءُ.

تبقى العتمةُ مخلصةً، شفافةً، محايدةٌ، لا فرحَ و لا خوفَ، كريمةً متى عدتُ إليها تُقبِّلُني. العتمةُ تشتدّ و تخفّ، هي مزاجيةٌ لكنَّها ثابتةٌ في سيرها، مسالمةٌ لا تؤذي أحدا و لا تحجبُ البصرَ، ظاهرُها مظلمٌ و باطنُها يشفُّ، باردةٌ على القلبِ، يُحبّها و تُحبّه، و ما بينهما فراغٌ يُسمى الفرح أرى الخلائقَ كلَّها تدورُ فيهِ.

العتمةُ غرفةٌ مغلقةٌ لا تفتحُ لأحد إلا إذا شابهها تماما، أو استطاعَ أن يبصرَ و هو داخلها هذا هو شرطُ العتمةِ: الشبه. يا الله كيفَ تتبدلُ الأشياءُ.

الفرحُ، في هذه المرةِ، نهرٌ و أنا زهرةُ لوتسْ.


سأقولُ إذن ما أقولُ، و سيقولُون الكثيرَ، سأستندُ إلى الصمتِ إذا لزمَ الأمر، الصمتُ مفتاحُ التدرجِ، صعودا و هبوطا، على نولِ العتمةِ. الصمتُ صفةُ الزهورِ، الأنوفُ تمضَغها و تتعاركُ من أجلها، تدقُ السماءَ من أجلها أيضا، و تبقى هي صامتةً تغزلُ الضوءَ من العتمةِ. بين الضوء و العتمةِ ما بينَ الصمتِ و الكلامِ نولٌ على هيئة الروحِ، يفهمُ لغةَ الزهورِ جيدا، لكلِ زهرةٍ خيطٌ و لكلِ زهرةٍ أنفٌ، أنفٌ واحدٌ فقطْ يُجيدُ الاقترابَ منها، يُجيد لمسها دون أن تقرصَه، يعرفُ كيفَ يلتفُ عليها جيدا و كيف يُصبحُ زهرةً. ما بين الخروجِ و الدخولِ نولٌ صامتٌ، و ما بيني و بين أنفي زهرةُ لوتسْ.

***



لماذا لم تخلقْني كباقي الزهورِ أحلمُ بأن أصبحَ ثمرةً تمرُّ فَرِحةً بين شفتين صائمتين.

لماذا لم أكنْ يوما وردةً حمراءَ أجمعُ بين حبيبين، أشدّ أنفيهما إليّ؛ كي يُصبحا شهيقا واحدا. لماذا لم تُملِّكْني صفةَ التعلُّقِ، خَلَوتَ قلبي و ملأتَه بكَ وحدكَ، أنانيةٌ أنا رغم كل هذه الربوبيّة فيّ. قلبي قبرٌ حيٌّ يتقربُ الأولياءُ منه، يكفرونَ بما ملأ قلبي و يؤمنون بما خرجَ منه.

يا الله، كم يؤلمُني هذا الجمالُ.

أنا ابنةُ الشتاءِ، أبي ذلك الشيخُ الرائع لا أنظرُ إليه إلا و أجدُ في عينيه صلاةً، تظلِّلُني تلك الصلاةُ أينما وليتُ وجهي، تحفظني جيدا كبرتُ و هي كما هي صلاةٌ خاشعةُ و دافئةٌ، لم أرَ يوما كوكبا يسجدُ لي في الحلمِ، لكنّ أبي كان يحضنني كلما نظرَ إليّ و يبكي، أبي ذلك الحاضرُ الغائب، أبي ذلك الشتاءُ الدافئ. أورثني ضلعُ أبي اعوجاجا خفيفا في أطرافي، و أورثني الشتاءُ بياضًا يحرسُ العتمةَ و يحبسُها عنِّي. تعلمتُ استنشاقَ الضوء منذ نعومةِ أوراقي، الضوءُ يلفني بالدفء كي أبسطَ راحتيّ له، يحاولُ الضوءُ دائما أن يرشَّ على جسدي الماءَ؛ ليتّخذَ شكلّ قطرةٍ ثم ينحبس جانبي على سبيل القطرةِ أيضا، ينسى أن زهرة اللوتسِ لا يعلقُ عليها الماءُ. فينسابُ هو و قطراتُه في العتمةِ. أتيتُ معَ الشتاءِ و أسيرُ إليه، هكذا أنا باختصار، أورثني الشتاءُ بياضَا، و السماءُ تمدّني بزرقتها الأنيقةِ.


للخريفِ و الربيعِ شأنُهما الشخصي، يسيران دائما باتجاهين مختلفين، و في نفس اللحظةِ يسيران بالقرب مني، يحملانَ لي الودّ و احملُ لهما القربَ، يتخذاني متّكأً و أتخذهما مقاما، الخريفُ غيورٌ يَضْعَفُ حين يُحبُّ، و يسقطُ من شدةِ الحبّ. و لكنِّي أعرفُ جيدا ما للحبِ من عواقبَ فأنا أموتُ حينَ أُحِبُّ.


الربيعُ شابٌ ثريٌّ كلُّ همِّه أن أقتربَ منه، و أنظرَّ إليه بإعجاب، و الإعجابُ آفةٌ لا تليقُ بزهرة اللوتسِ، يظلّ الربيعُ وحيدا بجانبي، حتى يفقدَ الأملَ و يبتعدَ مطأطئ الرأس. هكذا كلّ ربيعٍ يجيءُ فقيرا إليَ و يعودُ فقيرا إلي، لي صفةُ الذبولِ إذن.

عليكَ السلامُ يا ربيعُ.


يبقى الصيفُ ذلك العمّ الشقي، ينسكبُ دونَ إذنٍ فوق سطحِ العتمةِ، عنيدٌ يحملها على كتفيهِ كما يُفعَلُ بنعشْ، يلفّها عباءةً لكنها تَثقلُ عليه، يحاولُ سكبَ حمرته على وجهي، أبكي قليلا في هذه المرةِ و كالعادةِ لا يعلقُ عليّ شيءُ، أبكي ليس فرحا و ليسَ حزنا و لكنني أبكي لأن الصيفَ كان الأحبَ لقلبِ أبي، و ها هو يتواطأ عليّ. أبكي و يظلّ البياضُ سيدَ المشي.


هكذا الفصول ليس فقيرا و غنيا، و لا شقيا و هنيّا، فصولٌ تلبسُ بعضها و تتبادلُ بعضها، تتراشقُ التعبَ و الملل. فصولٌ تبقى دائما وارفةً في حضرة العتمةِ. تُخرجُها العتمةُ من فصلٍ إلى فصلٍ كما تنقلُني من حالٍ إلى حالٍ، لحظةَ تُتِمُّ، كنبيٍ، رسالتها.



[ 2 ]


أعرفُ كم أنا صامتة، و لكنَّ رائحتي ثرثارةٌ تأنسُ الفراشاتُ لها، توشْوِشُها تقولُ لها أحلامها و أسرارها ثمّ تودِّعُها بقبلةِ طريةٍ. أمّا النحلُ، عكسي تماما ثرثارٌ و لا يحّبُ الماءَ، و أنا لا أقوى على العيشِ دون ماء، لم أتخيلْ يوما أني سأفتحُ عينيّ على نمنمةِ نحلةٍ ترشفُ فمي، ابتسمتُ لأني أحبُّ أصدقائي الغرباء، فهم لا يحملون كُرهًا لي، و لا تراكمات لديهم. حلوٌ ذلك الصباح نحلةٌ تنمنمُ شفتي. حلوٌ لولا الريحُ التي طارتْ من الغيرةِ وأغرقتِ النحلةَ في الماء، رشّتْ القليلَ من الماء على شفتي ثمّ فعلتْ ما فعلتْه النحلةُ المسكينةُ، و من يومها صارت الريحُ تقبِّلُني كلّ صباحٍ.


***


لم أكنْ يوما هكذا، و لم أشعرْ بهذا التعب من قبل، نَفَسَي يتقطّعُ كأولئك الذين ينالون قسطا من الراحة كلما صعدوا درجةً. الحياة بالنسبة لي لم تكن أبدا بنايةً من عدة طوابق أجلسُ في طابق و أنامُ في طابق و أقابلُ الأصدقاء في طابق، كانت أبسط بكثير، لمْ أرَها يوما خارج بيتٍ صغيرٍ ذي شرفةٍ يكبرُ على حوافّها النعناعُ بينما أنا أغزلُ "كنزةً" لذلك الغائب. (ليس رومانسية هذه الكلمات بقدر كرهها لبنايةٍ تطلّ عن بعدِ ميل). بيتٌ أمامه درجتين مثلا أجلسُ عليهم كلّما أردتُ أن أفارقَ وحدتي، أجلسُ وحيدةً على الدرجِ، و لكنّ وحدتي خارج البيت أجمل بكثير، هناك دائما ما يَلوحُ في الأفق، حتى و إن كان طائرا يُبَشِّرُ بريحٍ قاسية. أجلسُ على الدرجِ قليلا، أشمّ السماءَ معبأةً بالمطرِ، رائحةُ المطرِ، تجعلُني ألتصقُ بالجدارِ أو أحتمي تحتَ بيتٍ يُنمنمُ ظهري بالدفء. البللُ يصيبني بالرعشةِ، و الرعشةُ صفة الفرحِ و الفرحُ يذكِّرُني دائما بالخوف. لذلك أحبُ المطرَ و أحتمي منه داخلَ بيتي الصغير. يرشُّ برده على الزجاجِ و على الشوارعِ و على حذائي أيضا فأنا أنسى حذائي دائما لحظةَ الهرب. المطرُ كأنه رسالةً بعثها لي الماضي على جناحِ حمامةٍ تحتمي هي الأخرى خلف الزجاجِ، ليس مهما ما كُتبَ في الرسالةِ. المهم أنها من الماضي، الماضي يفركُ أصابعي، و يدفِّئُ أنفاسي يُبقيني داخل بيتي الصغير، بيتٌ لا طوابق فيه، سقفٌ واحدُ أنامُ تحته، و أجلسُ مع الماضي و الأصدقاء و المطر. هكذا أنظمُ أنفاسي كلما ارتبكتْ و هكذا أنامُ.

أنا زهرةُ اللوتس.



[ 3 ]


سلّمٌ خشبي مستدير يصعدُ صوب السماء، هكذا تخيلتُ الروحَ و هي تصعدُ لتمرّ بحلمٍ أو لتجلسَ فوقَ غصنٍ دانٍ، أو ربما لتستحمّ بماءٍ باردٍ دون أن تفقدّ دفأها ، هكذا سلمٌ خشبي تصعدُ عليه و تصدر موسيقى لا يسمعها سوى من يحبُ هذه الروح، ربما الموسيقى هي السلم في هذه اللحظات سلمٌ موسيقيٌ تتمايل عليه الأرواحُ و تتصاعدُ حافيةً خفيفةً، لا يكسوها شيئا و لا يعرّيها عريُها. تخيلتها تلوّحُ لي: "هيا يا زهرةُ اللوتس"

أردُّ: " لا يزالُ هنا متسع للموت". فما زلتُ أحبّ النهرَ، و أحبّ لعبة الصعود و الهبوطِ عليه لا على ذلك السلم الموسيقى، هنا الموسيقى أكثرُ نعومةً، و هنا الحبّ يحملُ الاحتمالات و الهواجسَ العذبةَ و المعذِّبةَ أيضًا.

فكرتُ مرةً أن أبني لي سلما خشبيا، ليكونَ واقعا في هذه المرة، واقعا يصلحُ لصعود الأجسادِ و هبوطها لا الخيال فقط. في البدايةِ أردتُ أن أجدَ تصميما يتناسبُ مع شفافية الماء التي تتقاطعُ مع ما تصدره قدماي من دوائرٍ على سطحِ الماء. و حينَ وجدتُ هذا التصميمَ كان سلّما شفافًا و ليس خشبيًّا.

سلّمٌ خشبي،

سلّمٌ موسيقي،

سلّمٌ شفاف،

كلّها تصلحُ للصعودِ، و الشفافية فقط تصلحُ للهبوط.

الشفافيةُ فقط تبقى، و أصعدُ أنا.

***


Friday, June 1, 2007

خيطُ دخـانٍ

........... (خيطُ نور)


"لم يكنِ الأمرُ سهلا" هكذا قالت الهاربات من القصيدة حين عُدْنَ إليها،ثم أردفنَ: "لا مفرّ من قسوة المعنى".

في الخارجِ كان المعنى مبعثرا كأنوار المدينةِ. كلّما غفونا على جناحِ فراشةٍ تقتربُ من مصباحٍ؛ ليضيءَ الحبُّ في قلبٍ عابرٍ احترقتْ و سقطنا مرةً أخرى على حرارةِ النهار الفوضويِّ، و احترقَ القلبُ، و ظلّ الحبُّ يلعقُ العتمةَ عن المشهد؛ ربما سيُطلُّ قلبٌّ آخرٌ بعدَ قافيتينِ بمقاييس الشعراء.

وكان هناك أملٌ ينتظرُنا على ناصيةٍ تبعدُ جرحين بمقاييس العشاقِ في هذه المرةْ. رأيناه ينظرُ إلينا من بعيدٍ و يكمل قراءةَ صحف الأمس قال: "ليَدخلَ الغدَ مطمئنا"، و لكنّه عندما اقتربنا منه و ابتسمنا في وجهه:" هو أنت؟ " و لم نكملْ حتى ذابَ كخيطِ دخانٍ و ظلتِ الصحفُ تومئُ لنا بالقراءةِ، لكننا لم نطمئنّ لها. و اتجهنا إلى ناصيةٍ أخرى يكثرُ فيها زجاجٌ لامعٌ تظهرُ من خلفه كراسيٌّ منفوخةٌ مغطاةٌ بالكتانِ و الحريرِ أطرافها مذهبةٌ كأمانينا، اقتربنا أكثر كي تتضحَ الرؤيةُ و تقتربُ الأمانيُّ من أعيننا، و في آخر الأمر لم نقتربْ إلا من الزجاجِ تاركين عليه أنفاسَنا الرطبة، رغم جفافِ ألسنتنا، و بعضَ الحروفْ.

قلنا سندنو من السماءِ كي نبتعدَ عن هذا الهدوء المملِ، فربما تعلقنا بخيط نورٍ على هيئة تنهيدةٍ أو دعاءٍ. صعدنا قليلا، كنا نتقلّبُ مع البردِ و الشمسِ، تذكرْنا ما قيل عن طائرٍ يقفزُ إلى عين حمئةٍ؛ كي تذوبَ جناحاه و تحلقُ روحُه؛ بحثا عن حياةٍ لا موت فيها، ثم يعود إلى نبعِ ماءٍ باردٍ يكحلُ به عينيه ليرى القصيدةَ بتفعيلةٍ أخرى. و رأينا ما قيل عن برابرةٍ يكتسون بالشمسِ.. و جماعةٍ يتقلبون ذات اليمين و ذات الشمالِ.. رأينا الشمسَ تطمئن إلى سطوة البحرِ.. و حين وصلنا قفزنا معها إلى البحر مطمئنينَ، فقَذَفَنا البحرُ على شاطئِ القصيدةِ ذاتها.

رأينا هناك بحّارا عاريا يستفزُ أنوثتنا بقميصٍ مشدودٍ على خصرهِ، لا شيءَ قلنا، و لكنّ شيء ما، يحكّ أضلعنا لنقتربَ من جسدٍ ينيرُ، كدفء الغروبِ حينها. حاولنا أن نلعق رذاذ الملحِ عنه فاستبدل به عرقا ساخنا امتصّ رمل البحر.. و في الصباح لم نجدْه كان القميصُ فقط مشدودا على نهدِ أكبرنا سنا، فعرفنا أنه لن يعودَ.. و افترقنا قليلا ثم اتفقنا أن نصبحَ جسدا واحدا فاستعصتِ القافيةُ: "بين الحياةِ و الموتِ جنونٌ".

تسامرنا مع الخريف ووعدناه أن نستردَ بعضا من ربيعهِ، كي يستغرقَ في الحزنِ، هكذا يعلمُ الصوفيُ المريدَ: "أولُ الطاعةِ حزنْ" و نداءُ الطاعةِ: "يا روح روحي".

قيل هناكَ نهرٌ جليديٌ يذوبُ كل سبع سنين مرةً، يقفزُ منه رجلٌ أبيضٌ نصفهُ السفلي على هيئة الثورِ.. تحولنا إلى حباتِ ملحٍ و ذبنا فيهِ..و حين أتى الربيعُ للمرة السابعةِ ظلّ جليديا و شدّنا خببٌ قريبٌ من النفسِ خارجَ النهرِ، ربما غيرنا خاصيةَ النهر بما تشاءُ القافيةْ.

" أرواحنا تورثُ الحزنَ " هكذا تهمسُ القوافي شامتةً بعودتنا مبللينَ و واثقين أن إلهًا لم يكن في النهرِ و لا رجلا. و أردفنَ: "لم يكن الأمرُ سهلا".


Tuesday, May 1, 2007

ضـوءٌ مُمِـلٌ..



تَسْتَرِيحُ عَلَى شَاطِئِ الحُلمِ،

تَعْتِقُ آخرَ ضوءِ انتظارٍ مملٍّ و تهمسُ للبحرِ اهدأْ.

يتركُ ندبةَ ملحٍ بلون الرمالِ عَلَى شَفَتَيْهَا.

تلملمُ ذاكرةَ الريحِ،

تبحثُ عن شاطئٍ للكلامِ المريحِ،

و تبحثُ عن برجها في رذاذِ المياهِ المملحِ:

قدْ يَصعدُ الحظُّ بُرجًا مِنِ الماءِ، يُومئُ:

أنّ الجِهَاتَ نَوافذُ فاقفزْ؛

ترَ الأَرضَ واثقةً كالبياضِ

- البياضُ فَتاةٌ تَدُسُّ لعَاشِقِهَا بسمةً،

و البياض براءتُنا في الطفولةِ –

و البحرُ يلعقُ أقدامَها

و ينامُ عَلَى صَدْرِها؛

كي يُثيرَ الطفولةَ فيها وَ فيّ.

*

حَنينا إِلَى الطّينِ؛

تصعدُ مني القصائدُ منثورةً كغباء المدينةِ.

أصعدُ حيثُ الرياح تسلِّم راياتِها للجبال،

و أجلسُ بالقربِ من نجمةٍ؛

لأُعيدَ التأملَ:

كيف أُعدُّ المساءَ

بلا قهوةٍ تكنِسُ البردَ بيني و بين فتاةٍ ترنِّمُ أنشودةً للمدينةِ و البحرِ

لا فرقَ، أنسى المدينةَ؛ كي أعشقَ البحرَ.

أغرقُ في زرقة البحر؛ كي ينزفَ الشعرُ منّي

كلوحةِ زيتٍ يطرِّزها الهاتفُ الخلويُّ،

و لا فرق بيني و بين الفتاةِ سوى جسدٍ يتمايلُ حَرا و حُرّا.

*

أنا الآن أمْضَغُ حرَّ المدينةِ وحدي،

و وحدي أُرَدِّدُ بعضَ الغناء القديمِ.

و أَقرأُ في كتبِ الأمسِ

عَنْ عَاشِقٍ كان يرسلُ زاجلةً؛

كي تجيءَ الحبيبةُ عبر البريدِ.

البريدُ تأخرَ و الحبُّ مرتبكٌ ها هنا.

قد يُعَدُّ انتظاري غباءً،

و لكنَّني لا أجيدُ التمهّلَ في الحبِّ

أبحثُ عن سببٍ آخرٍ للتأخُّرْ:

هي الآن متعبةٌ خلفَ هذا الضبابِ تهزّ بكرسيِّها الوقتَ،

تكسرُ صمت الغيابِ

تقطِِّعُ كالعاشقاتِ رسالةَ حُبٍّ؛

لأنَّ الضبابَ يذكِّرُها باتساعِ المسافةِ

بيني و بين الهبوبِ

على جسدٍ لا ينامْ.

*

و هذا المساءُ وحيدٌ

بلا قمرٍ وارفٍ يطرقُ البابَ

أو يتحرّشُ بالوردِ حول النوافذِ.

هذا المساءُ غريبٌ

بلا ضَحِكٍ يستفزُّ العريَّ المسمى حرامًا،

يحدِّقُ:

من مرّ بالقربِ مُتَّهمٌ بالتباسِ المَشَاهِدِ:

أَجْسادُنا تتشَابهُ، كالظلِّ، في البعدِ.

هذا المساءُ الغبيُّ الغبيُّ كعادتهِ

يتحسسُ صوتَ الجدار:

عليّكَ الخروجُ عن النصِّ؛

بحثا عن امرأةٍ تستفزُّ مشاعرَك الفوضويةَ؛

كي تسكبَ

الليلَ بين يديكَ فواكهَ من تعبٍ.

*

و أُحَاولُ أنْ أتركَ الحلمَ يسحبُني عاليًا

باتجاه السقوطِ على غيمةٍ تستعدُّ؛

لتصبحَ نهرًا يسيرُ خفيفًا إلى واقعٍ في الخفاء،

الخفاءُ يحثُّ الفتاةَ لتسكبَ

خمرَ أنوثتها بارتعاشِ مراهقةٍ تكسرُ الخوفَ.

و الخوفُ أبنيةٌ كالمدينةِ تكرهُ رائحةَ البحرِ.

و البحرُ يسحبُني خارجَ الحلمِ

حيثُ الغيابُ حضورٌ يرفرفُ فوق جدائلِها مِنْ بعيدْ.

.

.

.

و انقسمتُ كحبّةِ جوزٍ

و سالَ البياضُ المُحَلَّى فتاةً تحضِّرُ

للغدِ أمسا تهرَّبَ من جسدٍ واقعٍ مُهْمَلٍ.

يا لهُ من سوادٍ جميلٍ،

يمشِّطُ شعرَ أنوثتها،

و يضيءُ البيوتَ،

تماما كما يفعلُ الراحلونَ،

يلوّحُ لي.


This page is powered by Blogger. Isn't yours?

Subscribe to Posts [Atom]

إصدارت أخرى للدار
eXTReMe Tracker